السيد محمد سعيد الحكيم
596
فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)
ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته . ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها . كوّنها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلا تثبيتاً لحكمته ، وتنبيها على طاعته ، وإظهاراً لقدرته ، تعبداً لبريته ، وإعزازاً لدعوته . ثم جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادة « 1 » لعباده من نقمته ، وحياشة « 2 » لهم إلى جنته . وأشهد أن أبي محمداً عبده ورسوله . اختاره قبل أن أرسله ، وسمّاه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة . علماً من الله تعالى بمآيل الأمور « 3 » ، وإحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بموقع المقدور . ابتعثه الله إتماماً لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذاً لمقادير حتمه . فرأى الأمم فرقاً في أديانها ، عكفاً على نيرانها ، عابدة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها « 4 » . فأنار الله بأبي محمد ( ص ) ظُلَمها « 5 » ، وكشف عن القلوب بُهَمَها « 6 » ، وجلّى عن الأبصار غُمَمَها « 7 » ، وقام في الناس بالهداية ، فأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم . ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار . فمحمد ( ص ) من تعب
--> ( 1 ) الذود : الطرد والدفع . ( 2 ) حاش الإبل : جمعها وساقها . ( 3 ) المآل : المرجع . والمراد في المقام أن الله عز وجل عالم بعواقب الأمور وما تنتهي إليه . ( 4 ) يعني : أنهم ينكرون الله عز وجل مع أنهم بفطرتهم يقرون به وبقدرته . ( 5 ) الظلم بضم الظاء وفتح اللام : جمع ظلمة . ( 6 ) البهم بضم الباء وفتح الهاء : مشكلات الأمور . ( 7 ) الغمم بضم الغين وفتح الميم : جمع غمة . كل شيء يستر شيئاً .